أحمد بن محمد القسطلاني
412
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فهو مخصوص بهذه الواقعة ليتألف مسلمة الفتح ، في المفهم أن العطاء كان من الخمس ومنه كان أكثر عطاياه ، وقيل : إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فردّ الله أمر الغنيمة لنبيه عليه الصلاة والسلام ( فكأنهم وجدوا ) بفتح الواو والجيم حزنوا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وجد بضمتين جمع واحد ( إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ) من القسمة . وزاد في رواية أبي ذر عن الحموي : وكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس بالشك هل قال وجد بضمتين أو وجدوا فعل ماض ، وأما على رواية الكشميهني وجدوا في الموضعين فتكرار بغير فائدة كما لا يخفى ، وجوّز الكرماني وتبعه بعضهم أن يكون الأول من الغضب ، والثاني من الحزن ( فخطبهم ) عليه الصلاة والسلام زاد مسلم فحمد الله وأثنى عليه ( فقال ) : ( يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلاّلاً ) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى بالشرك ( فهداكم الله بي ) إلى الإيمان ( وكنتم متفرقين ) بسبب حرب بعاث وغيره الواقع بينهم ( فألفكم الله بي وعالة ) ولأبي ذر : وكنتم عالة بالعين المهملة وتخفيف اللام أي فقراء لا مال لكم ( فأغناكم الله بي كلما قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( شيئًا قالوا : الله ورسوله أمن ) بفتح الهمزة وتشديد النون أفعل تفضيل من المن ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قال ) : وسقطت التصلية ولفظ قال لأبي ذر ( كلما قال شيئًا قالوا : الله ورسوله أمنّ . قال : لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا ) . وفي حديث أبي سعيد فقال : " أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذبًا فصدّقناك ومخذلاً فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلاً فواسيناك " زاد أحمد من حديث أنس قالوا : بل المنة لله ولرسوله وإنما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك تواضعًا منه ، وإلاّ ففي الحقيقة الحجة المبالغة والمنة له عليهم كما قالوا . ( ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاه والبعير ) اسما جنس يقع كل منهما على الذكر والأنثى ( وتذهبون بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى رحالكم ) ذكرهم ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية وسقطت التصلية لأبي ذر ( لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ) قاله استطابة لنفوسهم وثناء عليهم ، وليس المراد منه الانتقال عن النسب الولادي لأنه حرام مع أن نسبه عليه الصلاة والسلام أفضل الأنساب وأكرمها وهو تواضع منه عليه الصلاة والسلام ، وحثّ على إكرامهم واحترامهم ، لكن لا يبلغون درجة المهاجرين السابقين الذين خرجوا من ديارهم وقطعوا عن أقاربهم وأحيائهم وحرموا أوطانهم وأموالهم ، والأنصار وإن اتصفوا بصفة النصرة والإيثار والمحبة والإيواء لكنهم مقيمون في مواطنهم ، وحسبك شاهدًا في فضل المهاجرين قوله هذا لأن فيه إشارة إلى جلالة رتبة الهجرة فلا يتركها فهو نبي مهاجري لا أنصاري ، وقد سبق مزيد لذلك في فضل الأنصار . ( ولو سلك الناس واديًا وشعبًا ) بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة طريقًا في الجبل ( لسلكت وادي الأنصار وشعبها ) والمراد بلدهم ( الأنصار شعار ) الثوب الذي يلي الجلد ( والناس دثار ) بكسر الدال وبالمثلثة المفتوحة ما يجعل فوق الشعار أي أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم وهو تشبيه بليغ ( إنكم ستلقون بعدي أثرة ) بفتح الهمزة والمثلثة وبضم الهمزة وسكون المثلثة أي يستأثر عليكم بما لكم فيه اشتراك من الاستحقاق ( فاصبروا ) على ذلك ( حتى تلقوني على الحوض ) يوم القيامة فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم مع الثواب الجزيل على الصبر . وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة . 4331 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي رِجَالاً الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ فَقَالُوا : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ ، قَالَ أَنَسٌ : فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : « مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ » ؟ فَقَالَ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ : أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا ، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ ، أَتَأَلَّفُهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رِحَالِكُمْ ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ » قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ » . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمْ يَصْبِرُوا . وبه قال : ( حدثني ) بالإفراد ( عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدّثنا هشام ) هو ابن يوسف الصنعاني قال : ( أخبرنا معمر ) هو ابن راشد ( عن الزهري ) محمد بن مسلم أنه قال : ( أخبرني ) بالإفراد ولأبى ذر : حدثني بالإفراد أيضًا ( أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال ناس من الأنصار حين أفاء الله